السيد كمال الحيدري

48

عصمة الانبياء في القرآن مدخل الى النبوة العامه

سوياً ، نجدها ( عليها السلام ) قالت : إِنِّى أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ . والظاهر من سياق هذه العبارة أنها عندما تكلمت مع الحق ( سبحانه وتعالى ) ، أثبتت لنفسها شيئاً من ) الأنية ( بإزائه ( عزّ وجلّ ) . بعبارة أخرى ، يوحى الخطاب أنها رأت لنفسها وجوداً بإزاء الله سبحانه . لكن الأمر سيختلف تماماً وتتبدّل معالم اللوحة وإيحاءاتها ، حينما نجد في سورة يوسف ( عليه السلام ) نوعاً آخر من أدب الخطاب مع الحق تعالى . قال تعالى : وَرَاوَدَتْهُ الَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّى أَحْسَنَ مَثْوَاىَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ « 1 » . من الواضح أنّ هذا النوع من الخطاب معه تعالى يختلف عمّا سمعناه في سورة مريم ( عليها السلام ) ، فيوسف الصديق لم يتفوه بكلمة ) إني ( عندما واجه الحالة المذكورة ، بل كل ما قاله هو : مَعَاذَ اللَّهِ فقط . وهذا ناشئ من أنّ النبي يوسف ( عليه السلام ) لم يكن يرى لنفسه ) إنّية ( تذكر بإزاء خالقه ( عزّ وجلّ ) ، وذلك بمقتضى مقامه الوجودي كنبي من الأنبياء ومقدار ما يحظى به من معرفة . فمريم ( عليها السلام ) تتكلّم مع الله تعالى بخطاب خاص ، ويوسف ( عليه السلام ) يتكلم بخطاب آخر ، وهكذا تتوالى المشاهد وتختلف الإيحاءات حتى نصل إلى خاتم النبيين ( صلى الله عليه وآله ) فلا نراه يتكلّم مع الحق تعالى أساساً ، بل نجد أن الله ( سبحانه وتعالى ) يأخذه

--> ( 1 ) يوسف : 23 .